ابن عربي
601
الفتوحات المكية
ولا يصح الافتقار لهم إليه في وجودهم لأنهم موجودون وإنما كان ذلك الافتقار منهم لوجودهم في حال عدمهم فلهذا أوجدهم فمتعلق الافتقار أبدا إنما هو العدم ليوجده لهم إذ بيده إيجاد ذلك وأما غيرنا فرأوا ذلك من الله عقدا لا حالا وهم المسلمون الأكثرون عالمهم وجاهلهم ومن الناس من يرى ذلك من الله أصلا لا عقدا ولا حالا وهم القائلون بالعلل والمعلولات وهم أبعد الطوائف من الله ومن الناس من لا يرى ذلك من الله لا أصلا ولا عقدا ولا حالا وهم المعطلة وما من طائفة مما ذكرنا إلا وتجد الافتقار من ذاتها ومن المحال أن يقع الغني من الله لأحد من هؤلاء الطوائف على الإطلاق أبدا ولكن قد يقع لهم الغني المقيد دائما لا ينفكون عنه وأما فرض الطريق إليه فهو ذاتي أيضا من حيث هو طريق وإنما الذي يتعلق به الاكتساب سلوك خاص في هذا الطريق لمن يفتقر إليه وإذا كان السلوك بهذه المثابة تعين التحريض عليه وتبيينه لمن جهله فمن عدل عن تبيينه لمن يستحقه وهو عالم به فهو صاحب حرمان وخذلان وقد نبه عليه السلام على مرتبة من مراتب ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار والسؤال قد يكون لفظا وحالا والمسؤول عنه الذي تعلق به الوعيد لا بد أن يكون واجبا عليه السؤال عنه فلا بد أن يجب على العالم الجواب عنه وسؤالات الافتقار كلها بهذه المثابة قال الله تعالى يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ففي هذا الخطاب تسمية الله بكل اسم هو لمن يفتقر إليه فيما يفتقر إليه فيه وهو من باب الغيرة الإلهية حتى لا يفتقر إلى غيره والشرف فيه إلى العالم بذلك وفي هذا الخطاب هجاء للناس حيث لم يعرفوا ذلك إلا بعد التعريف الإلهي في الخطاب الشرعي على ألسنة الرسل عليهم السلام ومع هذا أنكر ذلك خلق كثير وخصوه بأمور معينة يفتقر إليه فيها لا في كل الأمور من اللوازم التابعة للوجود التي تعرض مع الآنات للخلق وكان ينبغي لنا لو كنا متحققين بفهم هذه الآية أن نبكي بدل الدموع دما حيث جهلنا هذا الأمر من نفوسنا إلى أن وقع به التعريف الإلهي فكيف حال من أنكره وتأوله وخصصه فهذا قد بينا نبذة من الفصل الثاني المتعلق بهذا المنزل وأما الفصل الثالث من فصول هذا المنزل فاعلم إن الله تعالى قد عرف عباده أن له حضرات معينة لأمور دعاهم إلى طلب دخولها وتحصيلها منه وجعلهم فقراء إليها فمن الناس من قبلها ومن الناس من ردها جهلا بها فمنها حضرة المشاهدة وهي على منازل مختلفة وإن عمتها حضرة واحدة فمنهم من يشهده في الأشياء ومنهم قبلها ومنهم بعدها ومنهم معها ومنهم من يشهده عينها على اختلاف مقامات كثيرة فيها يعلمها أهل طريق الله أصحاب الذوق والشرب ومنها حضرة المكالمة ومنها حضرة الكلام ومنها حضرة السماع ومنها حضرة التعليم ومنها حضرة التكوين وغير ذلك فإنها كثيرة لا يتسع هذا التصنيف لذكرها فحضرة المكالمة من خصائص هذا المنزل فمن عدل عنها فقد حرم ما يتضمنه من المعارف الإلهية والالتذاذ بالمحادثة الربانية وكان ممن قيل فيه ما يأتيهم من ذكر من ربهم ومن الرحمن على حسب التجلي محدث إلا كانوا عنه معرضين وهي طائفة معينة وأخرى استمعوه وهم يلعبون فأهل طريقنا لم يشتغلوا عند ورود هذا الكلام بما يلهيهم عما يتضمنه من الفوائد فإن اقتضى جوابا أجابوا ربهم وإن اقتضى غير ذلك بادروا إلى فعل ما يقتضيه ذلك الخطاب وهم يسارقون النظر في تلك الحالة إلى المتكلم لتقر أعينهم بذلك كما تنعمت نفوسهم من حيث السماع غير أنهم لا يتحققون بالنظر في هذه الحال لمعرفتهم بأن مراد الحق فيهم فيها الفهم عنه فيما يكلمهم به فيخافون من النظر مع شوقهم أن يفنيهم عن الذي طولبوا به من الفهم فيكونون ممن آثروا حظوظ نفوسهم على ما أراده الحق منهم فهم في كلا الحالين عبيد فقراء غير أن الأدب في كل حضرة من هذه الحضرات الوفاء بما تستحقه الحضرة التي يقام العبد فيها ولمطلوبه حضرة أخرى هي غير هذه فلا يستعجل فيحرم وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ينوب عنه في الكلام وهو الترجمان قال تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله يريد على لسان الترجمان الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت بعض الشيوخ يقول ما دام في بشريته فالكلام له من وراء حجاب ولكن إذا خرج عن بشريته ارتفع الحجاب وهذا الشيخ هو عبد العزيز بن أبي بكر المهدوي المعروف بابن الكرة سمعته منه بمنزلة بتونس رحمه الله فأصاب فيه وأخطأ فأما إصابته فإثباته وتقريره للكلام من وراء الحجاب وإنه لم يجمع بينه وبين